ابن عجيبة
270
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال في الحاشية : واعتبر قوله : فَسَأَكْتُبُها ، فإنه يقتضى كون الرحمة السابقة مطلقة ، والتغيير طارئ ، والطارئ لا ينافي الذات . ه . قلت : فتكون على هذا الرحمة التي وسعت كل شئ رحمة عامة ، إذ لا يخلو مخلوق من رحمته في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادا وإمدادا ، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا واللّه أشد منه في قدرته ، والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة ، ويدل على هذا ما في القوت « 1 » على قوله : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال : معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها ، إذا لا نهاية للرحمة ، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له ، ولأنه لم يخرج من رحمته شئ ، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شئ . ه . وقال السيوطي : فسأكتبها في الآخرة ، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين : تمحضها هنالك من غير شوب بضد ، ولا كذلك في الدنيا ، وإن كانت غالبة ، والكافر عمته في الدنيا عموما ظاهرا ، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر ، وإن لم يخل عنها في الجملة ، لأن غضبه تعالى لا حدّ له لولا رحمته . وحاصله : أنه لم تفي جهنم بغضبه ، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه ، وفي الإمهال فسحة في الحال وأمل الإقلاع في المآل ، وقد يتفق كثيرا ، أي : الإقلاع ، فلا يتعين أن يكون الإمهال استدراجا ، على أنه إنما يتجلى تجليا أوليا ذاتيا برحمة مطلقة من غير تفصيل ، إذ لا تعدد في الذات ، وإنما يظهر التفصيل بالصفات ، وإن كان يسرى إليها من الذات ، ولكن الرحمة تظهر أولا من الذات ، مع قطع النظر عن الصفات ؛ لظهورها ، ولا تظهر النقمة إلا من الصفات ، وهي خفية في تجلى الذات المطلق ، ولذلك قال : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وعلق العذاب على المشيئة ، فخص به دونها . ه . من الحاشية مع زيادة بيان . ثم أمره بالدعاء إلى الإيمان ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 158 ] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 158 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ؛ الأحمر والأسود ، والعرب والعجم ، والإنس والجن ، خص بهذه الدعوة العامة ، وإنما بعثت الرسل إلى قومها خاصة . فادع الناس أيها الرسول إلى اللّه تعالى ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يتصرف فيهما كيفما شاء ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ؛ لأن من ملك العالم كان هو الإله لا غير ، يُحيِي وَيُمِيتُ ؛ لعموم قدرته ونفوذ أمره ،
--> ( 1 ) أي قوت القلوب لأبى طالب المكي .